القائمة الرئيسية
الصفحة الاولى
I
الاسلام والمسلم
I
الإسلام والغرب
I
------------------------------
اغاني عربية
Photo's
Google Earth
I
Dr. Shahrour
l
قصائد أحمد مطر
Qoran
Tuesday, 07 September 2010
الصفحة الاولى arrow الاسلام والمسلم arrow الفيديو كليب والجسد والعولمة
الفيديو كليب والجسد والعولمة

أنهن حسناوات رقيقات لذيذات يتحركن رأسيا وأفقيا بشكل مستمر يثير الدهشة ويدير الرأس, بما في ذلك رأسي بطبيعة الحال

الفيديو كليب هو فيلم سينمائي قصير يحتوي علي أغنية, و رقص, وشيء يشبه التمثيلية. كنا نستمع في الماضي للأغنية فنتأمل في كلماتها ولحنها وصوت المغني أو المغنية ثم نحكم عليها. وكانت معظم الأغنيات تتحدث عن الحب بين الرجل والمرأة( وبالعكس). ومع هذا كان هناك أنواع أخري من الأغاني: فكان هناك أغنية أو اثنتان تتحدث عن الأم, أو عن علاقة الأم بابنتها, أو عن الطبيعة, أي عن علاقات إنسانية خارج إطار موضوع الحب بين الرجل والمرأة,

كما كان هناك أغان دينية مثل أغنية فايدة كامل الشهيرة إلهي ليس لي إلاك عونا, وأغنية أسمهان عليك صلاة الله وسلامه. هذا التنوع اختفي تقريبا تماما, فأغاني الفيديو كليب تنحصر في النوع الأول, أي أغاني الحب بين الرجل والمرأة ومثل معظم أغاني الحب بين الرجل والمرأة كانت معظم هذه الأغنيات تتضمن إيحاءات وإيماءات ورموزا جنسية, أقول: إيحاءات وإيماءات ورموزا وحسب, لأن البعد الجنسي كان دائما مستوعبا في أبعاد أخري رومانسية, وفي الصور المستخدمة أو في خلفية الأغنية . كل هذا الإبهام والتركيب والتنوع اختفي تقريبا تماما, فالفيدو كليب يؤكد جانبا واحدا من الأغاني وهو الجانب الجنسي. فالراقصات لا يتركن أي مجال لخيال المشاهد, والصورة عادة أقوي من الكلمة, فالكلمة( المجردة) توجد مسافة بينها وبين المتلقي, الأمر الذي يسمح له أن يتأمل في معناها ويتمعن في مغزاها, أما الصورة( خاصة إذا كانت صورة حسناء نصف أو ربع عارية تقفز وتحرك كل ما يمكن تحريكه في جسدها بصورة غير موضوعية أو محايدة), نقول إن الصورة حسية ومباشرة ولا تترك مجالا للعقل أن يتأمل, أو للجهاز العصبي أن يستريح قليلا, بل تقتحم الإنسان اقتحاما. وبعد دراسة متأنية للفيديو كليب استغرقت ساعات طويلة لذيذة أمام التليفزيون أقلب من قناة راقصة إلي أخري أكثر عريا, اكتشفت أنه مما يساعد الفيديو كليب علي اقتحامنا ما أسميه الرقص الأفقي, فكلنا يعرف الرقص الرأسي, وألفناه, فقد شاهدناه في الأفلام وفي الفنادق( الخمس نجوم) والكباريهات التي بلا نجوم, ولكنه كان رقصا رأسيا دائما, أما الرقص الأفقي فهو مختلف تماما إذ تنام الراقصة/ المغنية علي الأرض( وهي نصف أو ربع عارية ثم تحرك ما يمكن تحريكه في جسدها بصورة غير موضوعية أو محايدة) لأسباب لا تغيب عن بال أي مشاهد. هذا الرقص أكثر وقعا وتأثيرا, وهو يدهشنا تماما, مما يجعلنا نستسلم لإغواء الصورة ونرفع الرايات البيضاء والخضراء والحمراء وكل الألوان الأخري, إذ كيف يمكن للمشاهد أن يتفكر أمام هذه الصور الملونة بالألوان الطبيعية وغير الطبيعية لهذه الحسناء المتحركة الأفقية. والرقص البلدي يهدف للإثارة الجنسية بشكل واضح وصريح, ولكننا كنا لا نراه إلا في الأفلام وفي الأفراح والليالي الملاح, فهو جزء من عالم العوالم, أي أننا كنا نعرفه بوصفه جزءا من عالم مستقل عن عالمنا, قد نتمتع به وقد نرفضه, ولكن في كلتا الحالتين هو ليس جزءا من عالمنا....ولكن الأهم من كل هذا هو ما أسميه عملية تطبيع الرقص والإثارة, فالرقص يقدم في الفيديو كليب علي أنه جزء من صميم حياتنا العادية اليومية.وبدل أن تذهب إلي الكباريهات جاءت هي إلينا.

وهنا قد يطرح علي قاريء ماكر سؤالا , ألا تتمتع برؤية الفيديو كليبس؟ والرد هو نعم أتمتع به, ولعل القاريء قد لاحظ أن وصفي للراقصات لم يكن محايدا أو موضوعيا, فقد أشرت إلي أنهن حسناوات رقيقات لذيذات يتحركن رأسيا وأفقيا بشكل مستمر يثير الدهشة ويدير الرأس( بما في ذلك رأسي بطبيعة الحال) ويمكن أن أتحدث عن الديكور والماكياج وما يرتدين( او لايرتدين) من ملابس. يمكن أن أتحدث عن كل هذا بعين خبير غير متخصص, ولكن هل القضية هي مدي مايقدمه الفيدو كليب من متعة؟ ألا يتضمن السؤال تحيزا واضحا للمتعة الفردية وكأنها الهدف الوحيد من الحياة, وكأن حياة الأنسان لايوجد فيها أبعاد أخري, وكأن الفرد( ومقدار مايحصل عليه من لذة من خلال المشاهدة) هو المرجعية الوحيدة والمطلقة. ولكن ماذا عن المجتمع والأسرة, أليس من المفروض أن تكون الوحدة التحليلية هي المجتمع وتوجهه ومصلحته, والأسرة وتماسكها, وليس الفرد ولذته ومتعته؟ أوليس من حقنا كبشر( والإنسان كائن اجتماعي بالدرجة الأولي) أن نطرح أسئلة أخري تتناول جوانب أخري من حياة البشر؟ وقد لاحظت أن كل من تناول ظاهرة الفيديو كليب قد ركز علي ظاهرة العري وأنا بطبيعة الحال أتفق معهم في الرأي بخصوص العري والإباحية, وبخصوص ولكنني أري أن هذا يمثل جانبا واحدا من القضية, إذ يمكننا أن نسأل عن أثر الفيديو كليب علي نسيج المجتمع وعلي بناء الأسرة, فالفيديو كليب لايقدم مجرد أنثي تغني وترقص وتتعري وتتلوي بل إنه يعبر عن رؤية كاملة للحياة, نقطة انطلاقها ـ كما أسلفنا ـ هو الفرد الذي يبحث عن متعته مهما كان الثمن. والمتعة في حالة الفيديو كليب متعة أساسا جنسية ولذا فهي متعة بسيطة أحادية تستبعد عالم الموسيقي والطرب وجمال الطبيعة وكل العلاقات الإنسانية الأخري. والفيديو كليب بتركيزه علي هذا الجانب وحده يسهم في تصعيد السعار الجنسي( في مجتمع فيه أزمة زواج) ولكن من المعروف أن تصعيد السعار الجنسي مرتبط تماما بتصعيد الشهوات الاستهلاكية, وهذا ما أدركته تماما صناعة الإعلانات التليفزيونية, فمعظم الإعلانات تلجأ الي الجنس لبيع السلع, فالسعار الجنسي يفصل الفرد عن مجتمعه وأسرته, وعن أي منظومة قيمية اجتماعية, فيحاول تحقيق ذاته من خلال منظومة المتعة الفردية والمنفعة الشخصية, والتي تترجم نفسها عادة الي استهلاك السلع والمزيد من السلع( في مجتمع تعيش غالبيته اما تحت خط الفقر أو فوقه ببضعة سنتيمترات وجنيهات خاصة بعد ارتفاع سعر الدولار) إن الفيديو كليب يختزل الأنثي( والانسان ككل) الي بعد واحد هو جسده, فيصبح الجسد هو المصدر الوحيد لهويته, وهي هوية ذات بعد واحد لا أبعاد لها ولا تنوع فيها( ومن هنا التكرار المميت في الفيديو كليبس), والانسان الجسماني الاستهلاكي المنشغل بتحقيق متعته الشخصية يدور في دائرة ضيقة للغاية خارج اي منظومات قيمية اجتماعية أو أخلاقية, ولذا نجد أن ولاءاته للمجتمع وللأسرة تتآكل بالتدريج, كما أن انتماء مثل هذا الشخص لوطنه ضعيف للغاية ان لم يكن منعدما والآن انظر لخلفية الفيديو كليب ستجد أنها لا أرض لها ولا وطن, فأحيانا الخلفية هندية, وأحيانا أخري أمريكية, وثالثة أوروبية, والبنات في معظم الأحيان شقراوات, وحتي لو كن من بنات البلد فما يرتدينه( او لايرتدينه) من ملابس لا علاقة له بما نعرفه في حياتنا. كما أن أبطال الفيديو كليب عادة يركبون سيارات فارهة وأحيانا يظهرون في قصور, وكل هذا بطبيعة الحال يصعد الشهوة الاستهلاكية ويضعف الانتماء.

بعد كل هذه المقدمات يمكننا أن نضع الفيديو كليب في سياق أوسع, وهو سياق العولمة فجوهر العولمة هو عملية تنميط العالم بحيث يصبح العالم بأسره وحدات متشابهة, هي في جوهرها وحدات اقتصادية تم ترشيدها, أي إخضاعها لقوانين مادية عامة. مثل قوانين العرض والطلب والانسان الذي يتحرك في هذه الوحدات هو انسان اقتصادي جسماني لايتسم بأي خصوصية, ليس له انتماء واضح, ذاكرته التاريخية قد تم محوها, وإلا لما أمكن فتح الحدود بحيث تتحرك السلع ورأس المال بلا حدود أو سدود أو قيود. فالخصوصيات الثقافية والأخلاقية تعوق مثل هذا الانفتاح العالمي, وفي غياب الانتماء والهوية والمنظومات القيمية والمرجعيات الأخلاقية والدينية تتساوي الأمور, ويصبح من الصعب التمييز بين الجميل والقبيح, وبين الخير والشر, وبين العدل والظلم, وتسود النسبية المطلقة, وأهم تعبير أيديولوجي عن العولمة هو فلسفة مابعد الحداثة التي يطلق عليها أيضاanti-foundationalism والتي يمكن ترجمتها حرفيا بعبارة ضد الأساس والتي يمكن ترجمتها بتصرف رفض المرجعيات, مما يعني السقوط في اللاعقلانية الكاملة, وقد وصف رورتي مابعد الحداثة أنها تعني أن الإنسان لن يقدس شيئا حتي ولا نفسه, فهي ليست معادية للدين والأخلاق وحسب, بل معادية للإنسان ذاته. وقد يضيق القاريء بهذا الكلام الكبير وقد يتساءل: وماعلاقة كل هذا بالفيديو كليب؟ هل يمكن ربط جسد راقصات الفيديو كليبس بالنظام العالمي الجديد؟ والرد هو بالإيجاب, فكل الأمور مترابطة ليس بشكل مباشر وليس بشكل عضوي, ولكنها مترابطة. وقد شبه ليوتار الفيلسوف مابعد الحداثي علاقة الإنسان بالواقع, بعلاقة الرجل الساذج( أو المشاهد الساذج) بالمرأة اللعوب: يظن أنه أمسك بها, ولكنها تفلت منه دائما, الأمر الذي يعني أن علاقة العقل بالواقع غير قائمة, ويذهب كل من فريدريك نيتشه ورولان بات وجاك دريدا إلي أن تحطيم المقولات العقلية واللغوية هي عملية ذات طابع جنسي: ذوبان وسيولة.بل إن بعض دعاة مابعد الحداثة ورفض المرجعيات يرون أن جسد المرأة, هو مرجيعية ذاته, ولذا فهو تحد للعالم الثابت الذي له مركز ويمكن إدراكه عقليا. وفي كتابها الشهير ضد التفسير( الذي يؤرخ لظهور مابعد الحداثة بتاريخ نشره) قالت سوزان سونتاج إن أكبر تحد للثوابت والعقل هو الجسد

ولتلاحظ مايحدث لعقلك وفهمك حينما تشاهد رقصة من النوع الأفقي, وهذا الجسد لاعلاقة له بأي خصوصية تاريخية أو ثقافية أو اجتماعية, ولذا فهو يقوض الذاكرة الاجتماعية والتاريخية, وهذا هو جوهر مابعد الحداثة, أي أن كل إنسان يعيش داخل مايسمونه قصته الصغري, أي رؤيته للعالم, أما القصة الكبري الاجتماعية التاريخية التي تنضوي تحتها كل القصص الصغري فلا وجود لها, فتتساقط القيم والمرجعيات وتظهر الراقصة الرأسية والأفقية, والشركات عابرة القارات التي تود أن يكون الإنسان حزمة نمطية من الرغبات الاقتصادية والجسمانية التي يمكن التنبؤ بسلوكها, حتي يمكن التحكم في صاحبها وتوظيفة داخل منظومة السوق( والكباريه). وقد ظهرت فضيحة الفيديو كليبات بعد استشهاد الشيخ أحمد ياسين, فبينما كانت الأمة بأسرها تعبر عن حزنها وعزمها وإصرارها, كان الرقص الرأسي والأفقي شغال , وكأن جسد الراقصة هو البداية والنهاية, بداية المتعة ونهاية التاريخ. إن القنوات الفضائية التي تذيع الفيديو كليبات تصل إلي منازلنا وأحلامنا, وتعيد صياغة رؤانا وصورتنا للآخرين ولأنفسنا, ودافعها الوحيد هو الربح المادي, وليس الاستنارة أو تعميق إدراك الناس لما حولهم, فهي مشاريع رأسمالية طفيلية تبحث عن الربح الذي أدي إلي التنافس بين المخرجين والمغنين والممولين والذي لم تكن نتيجته الارتقاء بالمستوي الفني والجمالي, وإنما المزيد من الإسفاف والاغتراب والعري الذي سيتزايد حتما مع الأيام.

والآن السؤال هو: هل من سبيل لوقف هذا التدهور المستمر؟ هنا قد يقول البعض إن في هذا تدخلا في حرية الفكر والفن, والرد علي هذا أن الفيديو كليبات ليست فكرا وليست فنا ولا إبداعا, وإنما هي شكل من أشكال البورنو الذي يهدف إلي استغلال الإنسان وتحقيق الربح. الفن العظيم يتناول موضوعات شتي من بينها الجنس, ولكن الجنس( مثل العنف) لايقدم في حد ذاته وليس هو الهدف, وإنما هو عنصر ضمن عناصر إنسانية أخري, فالفن العظيم( علي عكس البورنو) لايهدف إلي الإثارة الجنسية وإنما إلي تعميق فهمنا للنفس البشرية. وإن كان أصحاب الفيديو كليب يطرحونه باعتباره فكرا أو فنا فعليهم الالتزام بشرطين: أولهما ألا يحققوا أي ربح مادي منه, وثانيهما أن يثبتوا لنا اقتناعهم الكامل بهذا الفكر بأن يمارسوه في حياتهم الشخصية مع زوجاتهم وأمهاتهم وبناتهم وأبنائهم, ولا أعتقد أن هناك من سيجد الشجاعة في نفسه أن يفعل ذلك..

 

عبد الوهاب المسيري

صحيفة الأهرام , 8-4-2004

 
: الصفحة الاولى :: الاسلام والمسلم :: الإسلام والغرب :: اغاني عربية :: Photo's :: Google Earth :: Dr. Shahrour :: قصائد أحمد مطر :: Qoran :
Advertisement